محمد رأفت سعيد

103

تاريخ نزول القرآن الكريم

المشركين وتحديهم ، فقد اجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل ومطعم بن عدي ، وقالوا : قد اجتمعت وفود العرب في أيام الحج ، وهم يتساءلون عن أمر محمد ، وقد اختلفتم في الإخبار عنه ، فمن قائل يقول : مجنون ، وآخر يقول : كاهن ، وآخر يقول : شاعر ، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد ، فسموا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه وتسميه العرب به ، فقام منهم رجل فقال : شاعر ، فقال الوليد : سمعت كلام ابن الأبرص ، وأمية بن أبي الصلت ، وما شبه كلام محمد كلام واحد منهما ، فقالوا : كاهن ، فقال : الكاهن يصدق ويكذب وما كذب محمد قط ، فقام آخر فقال : مجنون ، فقال الوليد : المجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط . وانصرف الوليد إلى بيته ، فقالوا : صبأ الوليد بن المغيرة ، فدخل عليه أبو جهل ، وقال : مالك يا أبا عبد شمس ، هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونك ، زعموا أنك قد احتجت وصبأت فقال الوليد : ما لي إلى ذلك حاجة ، ولكن فكرت في محمد ، فقلت : ما يكون من الساحر ؟ فقيل : يفرق بين الأب وابنه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين المرأة وزوجها ، فقلت : إنه ساحر . شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون : إن محمدا ساحر . ورجع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إلى بيته محزونا ، فتدثر بقطيفة ونزلت : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) نزلت بما يقوى نفس النبي صلّى اللّه عليه وسلم ونفوس أصحابه ، وبما بين حال هؤلاء المعاندين المشوهين ، وما توعدهم الله به من عقاب ، ويذكر الناس باليوم العسير على الكافرين ، ويكون التدعيم والتقوية النفسية بما يلي في هذه السورة الكريمة : « النشاط في الدعوة والإعلان بها » يتمثل ذلك في قوله تعالى : قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) أي قم بجد ونشاط ، ودع التدثر لتواجه أهل مكة بتخويفهم وتحذيرهم العذاب - إن لم يسلموا - وهذا يؤكد أن ما نزل سابقا من القرآن الكريم ، ومن أمر الدعوة قد انتشر بين الناس ، وأن الكافرين يصدون الناس عن اتباع الهدى والحق ، فهم في حاجة إلى الإنذار ، فلا تحزن على ما يفعلون ، وواجه هؤلاء بتخويفهم وبيان عاقبة كفرهم وعنادهم . « التكبير والتقديس والتنزيه لله سبحانه » وذلك يمنح النفس قوة فلا ترى فعلا إلا له ، ولا نعمة إلا منه ، ولا تتخذ النفس وليا غيره ، ولا تعبد سواه كما أن وصف الرب سبحانه وتعالى ب « أكبر » فذلك - أيضا - ينبه ويحذر الكافرين من اتخاذ الأنداد والأصنام ، ولذلك روى أن أبا سفيان لما قال يوم أحد : أعل هبل ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « قولوا الله أعلى وأجل » .